الموضوع: التصوف
عرض مشاركة واحدة
قديم 2013-05-26, 11:20 PM   #1
عنقاء الباطن



الصورة الرمزية تاج ميططرون
تاج ميططرون غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2
 تاريخ التسجيل :  Sep 2010
 أخر زيارة : اليوم (07:59 PM)
 المشاركات : 2,808 [ + ]
 التقييم :  3477
لوني المفضل : Firebrick
Mentioned: 2 Post(s)
Tagged: 84 Thread(s)
افتراضي التصوف




وأيُّ الأرض تخلو منكَ حتى * تعالَوا يطلبونكَ في السـماءِ
تراهـم ينظـرون إليكَ جهـرًا * وهُـمْ لا يبصـرون من العَمـاءِ
الحسين بن منصور الحلاج




لا نظنُّنا نغالي إنْ قلنا بأن دين الإسلام ككل محتوى في عقيدة التوحيد: نفي الشِّرك بالله ("لا إله…") وإثبات وحدانيته ("… إلا الله") يؤلفان معًا، عند عامة المؤمنين، المحور البسيط والواضح الذي تدور عليه حياتهم الدينية برمتها. أما الخاصة من أهل الباطن، فالتوحيد عندهم هو الباب الذي ينفتح على حقيقة الذات الإلهية: فكلما أمعن عقل المتصوف، على هدي من بصيرته، في سبر ظاهر البساطة العقلانية للوحدانية الإلهية، تبيَّن له أن هذه البساطة أعمق غورًا وأشد تعقيدًا – إلى أن يبلغ به الأمر حدًّا يتعذر بعده التوفيق بين مختلف أوجُه التوحيد بالعقل الخطابي discursive reason وحده؛ إذ إن تفكُّره في هذه الأوجُه بالغٌ لا محالة بمَلَكة التفكير حدودَ استيعابها القصوى، وبذلك يتاح للعقل أن يختبر حال جَمْع يتعدى كل تصور شكلاني. بعبارة أخرى، فإن للكشف عما يتعدى الصور وحده أن يرقى إلى الوحدانية الإلهية[].

لعل المفهوم المركزي الذي يتخلل مذهب الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربيكله هو وحدة الوجود؛ ولا يزال الجدل دائرًا حول ما إذا كان المقصود بهذا المصطلح هو وصف مذهب توحيدي لا يوجد بمقتضاه إلا الواحد وحده أم لم يكن. بيد أن الإجابة بالإيجاب عن هذه المسألة لا تشير إلى نقلة نوعية حاسمة في الإلهيات الإسلامية، لأن ابن عربي لم يفعل، في الواقع، غير الدفع بمذهب المتكلِّمين الأشاعرة حتى أقصى مداه؛ إذ إن إصرار الأشعري على قدرة الله الكلِّية وهيمنته على الكون ينطوي، منطقيًّا، على أن الله هو خالق الأفعال، وبالتالي، الفاعل الأوحد. لذا ترانا لا نجانب المنطق إنْ قلنا، قياسًا على ذلك وعلى غرار ابن عربي، بأن الحق هو الواجد الأوحد.

في كتابه الأشهر فصوص الحكم، يتكلم الشيخ الأكبر على ذروة التحقق الروحي بوصفها "تخلُّلاً" متبادلاً بين الحق والخلق، الله والإنسان. فالله، إذا جاز القول، يتخذ الصورة البشرية: فمن منظور أول، يكون اللاهوت محتوى الناسوت، حيث الثاني عبارة عن "إناء" للأول، على حدِّ قول ابن عربي[5]؛ ومن منظور آخر، يُمتص الإنسانُ في الحق الذي يستهلكه في شهوده تمامًا. بعبارة أخرى، يكون الحق باطنًا في الخلق (الإنسان)، ويكون الخلق "ممحوقًا" محقًا في شهود الحق[6]. إنما لا بدَّ من فهم هذا الكلام من منظور مخصوص يتصل بالتحقق الروحي حصرًا: فابن عربي، إذ يضع هذين النسقين من تخلُّل الله للإنسان وتخلُّل الإنسان لله جنبًا إلى جنب على التوازي، يدقق في "الفص الإبراهيمي" في مقطع من أبلغ ما كتب:

اعلم أنه ما تخلَّل شيءٌ شيئًا إلا كان محمولاً فيه. [...] فإن كان الحق هو الظاهر فالخلق مستور فيه، فيكون الخلقُ جميعَ أسماء الحق، سمعَه وبصرَه وجميعَ نِسَبه وإدراكاته. وإن كان الخلق هو الظاهر فالحق مستور باطن فيه، فالحق سمعُ الخلق وبصرُه ويدُه ورجلُه وجميعُ قواه [...]. ثم إن الذات لو تعرَّتْ عن هذه النسب لم تكن إلهًا. وهذه النسب أحدثتْها أعيانُنا: فنحن جعلناه بمألوهيَّتنا إلهًا، فلا يُعرَف حتى نعرف. [...] فإن بعض الحكماء وأبا حامد [الغزالي] ادعوا أنه يُعرَف الله من غير نظر في العالم – وهذا غلط؛ نعم، تُعرَف ذاتٌ قديمة أزلية، لا يُعرَف أنها إله حتى يُعرَف المألوه – فهو الدليل عليه. ثم بعد هذا، في ثاني حال، يعطيك الكشف أن الحق نفسه كان عين الدليل على نفسه وعلى ألوهيته، وأن العالم ليس إلا تجلِّيه في صور أعيانهم الثابتة[7] التي يستحيل وجودها بدونه، وأنه يتنوع ويتصور بحسب حقائق هذه الأعيان وأحوالها – وهذا بعد العلم به منَّا أنه إله لنا. ثم يأتي الكشف الآخر، فيُظهر لك صورَنا فيه، فيظهر بعضنا لبعض في الحق، فيعرف بعضنا بعضًا، ويتميَّز بعضنا عن بعض.
الموضوع الأصلى من هنا:http://www.3nqa2.me/vb/showthread.php?t=45

في "التخلل" الأول، يكشف الله عن نفسه بوصفه الذات التي تعرف من خلال ملَكات الإنسان الإدراكية وتفعل عبر ملَكاته العملية (جوارحه)؛ أما في "التخلل" الثاني، المعاكس للأول، فيتحرك الإنسان، إذا جاز القول، في أبعاد الوجود الإلهي التي، فيما يخصه بالذات، تتقاطب وتتقابل مثنى مثنى، بحيث تُقابل كلَّ صفة بشرية صفةٌ من الصفات الإلهية. وهذا "الكشف" المزدوج معبَّر عنه في الحديث القدسي المشهور:

ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبُّه؛ فإذا أحببتُه، كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها.





hgjw,t



 

رد مع اقتباس